محمد بن جرير الطبري

148

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ . يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : وَإِذا رَأَيْتَ يا محمد المشركين الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا التي أنزلناها إليك ، ووحينا الذي أوحيناه إليك ، و " خوضهم فيها " كان استهزاءهم بها وسبهم من أنزلها وتكلم بها وتكذيبهم بها . فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ يقول : فصد عنهم بوجهك ، وقم عنهم ولا تجلس معهم ، حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ يقول : حتى يأخذوا في حديث غير الاستهزاء بآيات الله من حديثهم بينهم . وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ يقوله : وإن أنساك الشيطان نهينا إياك عن الجلوس معهم والإعراض عنهم في حال خوضهم في آياتنا ثم ذكرت ذلك ، فقم عنهم ولا تقعد بعد ذكرك ذلك مع القوم الظالمين الذين خاضوا في غير الذي لهم الخوض فيه بما خاضوا به فيه ؛ وذلك هو معنى ظلمهم في هذا الموضع . وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله : وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ قال : نهاه الله أن يجلس مع الذين يخوضون في آيات الله يكذبون بها فإن نسي فلا يقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، بنحوه . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا مؤمل ، قال : ثنا سفيان ، عن السدي ، عن أبي مالك وسعيد بن جبير ، في قوله : وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا قال : الذين يكذبون بآياتنا . حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ قال : كان المشركون إذا جالسوا المؤمنين وقعوا في النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن فسبوه واستهزءوا به ، فأمرهم الله أن لا يقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره . وأما قوله : وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ يقول : نسيت فتقعد معهم ، فإذا ذكرت فقم . حدثني المثني ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : يَخُوضُونَ فِي آياتِنا قال : يكذبون بآياتنا . حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي ، قال : ثنا فضيل بن عياض ، عن ليث ، عن أبي جعفر ، قال : لا تجالسوا أهل الخصومات ، فإنهم الذين يخوضون في آيات الله . حدثني المثني ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثنا معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قوله : وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا وقوله : الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً وقوله : وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ ، وقوله : أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ونحو هذا في القرآن ؛ قال : أمر الله المؤمنين بالجماعة ونهاهم عن الاختلاف والفرقة ، وأخبرهم أنه إنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قوله : وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا قال : يستهزءون بها . قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقعد معهم إلا أن ينسى فإذا ذكر فليقم . فذلك قوله : وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ . قال